عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )

345

الإيضاح في شرح المفصل

وهذه المسألة ونظائرها يجوز فيها أربعة أوجه : نصب الأوّل ورفع الثاني ، وهو أجودها ، وعكسها ، وهو أردأها ، ونصبهما جميعا ، ورفعهما جميعا ، وهما « 1 » متوسّطان بين الأوّل والثاني . وإنّما اختير نصب الأوّل ورفع الثاني لأنّا إذا نصبنا فالتقدير : إن كان عمله خيرا ، والمعنى عليه ، وجاز تقدير « كان » لأنّه فعل دلّ عليه سياق الكلام ، فكان حذفه جائزا . وضعف الرفع لأنّك إذا رفعت فلا بدّ من تقدير رافع ، ولا يقدّر إلّا « كان » لكون المعنى عليه ، فإمّا أن تقدّرها تامّة أو ناقصة ، فتقديرها تامّة ضعيف ، لأنّ التامّة قليلة في الاستعمال ، وما قلّ استعماله قلّ حذفه ، وما كثر استعماله قوي حذفه ، وأيضا فإنّ تقدير التامّة مخلّ بالمعنى ، لأنّه يصير كأنّه أجنبيّ عن الأوّل ، والمعنى على تعلّقه به ، وذلك إنّما يكون في الناقصة « 2 » ، وإن قدّرت التزام الناقصة وجب أن يكون الخبر مقدّرا محذوفا ، ليكون « خير » اسما لها ، ولا يمكن أن يقدّر إلّا مثل قولك : « إن كان في عمله خير » ، أو ما أشبهه ، وهو ضعيف لفظا ومعنى ، أمّا اللّفظ فلكثرة ما نقدّره محذوفا ، وأمّا المعنى فلأنّه يرجع مخصوصا ، وليس المعنى على الخصوص ، وإنّما المعنى فيه على الإطلاق والتعميم . وإنّما كان رفع الثاني هو الوجه لأنّه إذا ارتفع كان خبر مبتدأ محذوف بعد فاء الجزاء ، والمبتدأ بعد فاء الجزاء جائز حذفه قياسا مستمرّا إذا علم ، وهذا كذلك ، وضعف نصبه لأنّه لا بدّ أن يقدّر له ناصب ، ولا ناصب ينبغي أن يقدّر غير « كان » ، وإذا قدّرت « كان » فإمّا أن يكون التقدير : إن كان عمله خيرا كان جزاؤه خيرا ، كما قدّره سيبويه « 3 » ، وهو ضعيف ، لأنّه يلزم منه حذف الفاء الثابتة / في المسألة ، وهو غير مستقيم ، وأيضا فإنّه حذف للفعل على غير قياس ، وحذف المبتدأ المذكور حذف على قياس ، فكان أولى ، وإمّا أن يكون التقدير : إن كان عمله خيرا فيكون جزاؤه خيرا ،

--> ( 1 ) سقط من د : « وهما » ، خطأ . ( 2 ) في ط : « إنما يكون الأول في الناقصة » ، مقحمة . ( 3 ) قال سيبويه بعد أن أورد المثال المذكور : « ومن العرب من يقول : وإن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ، كأنه قال : إن كان الذي عمل خيرا جزي خيرا وإن كان شرا جزي شرا . . والرفع أكثر وأحسن في الآخر لأنك إذا أدخلت الفاء في جواب الجزاء استأنفت ما بعدها وحسن أن تقع بعدها الأسماء » الكتاب : 1 / 258 ، وانظر الكتاب : 3 / 113 ، 3 / 149 ، وكتاب الشعر : 57 ، وأمالي ابن الشجري : 1 / 341 ، وشرح التسهيل لابن مالك : 1 / 364 .